ابن قيم الجوزية

128

البدائع في علوم القرآن

الشهادة . وقوله : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [ آل عمران : 140 ] ، تنبيه لطيف الموقع جدا على كراهته وبغضه للمنافقين الذي انخذلوا عن نبيه يوم أحد ، فلم يشهدوه ، ولم يتخذ منهم شهداء لأنه لم يحبهم ، فأركسهم وردهم ليحرمهم ما خص به المؤمنين في ذلك اليوم ، وما أعطاه من استشهد منهم ، فثبط هؤلاء الظالمين عن الأسباب التي وفق لها أولياءه وحزبه . ثم ذكر حكمة أخرى فيما أصابهم ذلك اليوم ، وهو تمحيص الذين آمنوا ، وهو تنقيتهم وتخليصهم من الذنوب ، ومن آفات النفوس ، وأيضا فإنه خلصهم ومحصهم من المنافقين ، فتميزوا منهم ، فحصل لهم تمحيصان : تمحيص من نفوسهم ، وتمحيص ممن كان يظهر أنه منهم ، وهو عدوهم . ثم ذكر حكمة أخرى ، وهي محق الكافرين بطغيانهم ، وبغيهم ، وعدوانهم ، ثم أنكر عليهم حسبانهم ، وظنهم أن يدخلوا الجنة بدون الجهاد في سبيله ، والصبر على أذى أعدائه ، وإن هذا ممتنع بحيث ينكر على من ظنه وحسبه ، فقال : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ( 142 ) [ آل عمران ] ، أي : ولما يقع الواقع المعلوم ، لا على مجرد العلم ، فإن اللّه لا يجزي العبد على مجرد علمه فيه دون أن يقع معلومه ، ثم وبخهم على هزيمتهم من أمر كانوا يتمنونه ويودون لقاءه ، فقال : وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 143 ) . قال ابن عباس : ولما أخبرهم اللّه تعالى على لسان نبيه بما فعل بشهداء بدر من الكرامة ، رغبوا في الشهادة ، فتمنوا قتالا يستشهدون فيه ، فيلحقون إخوانهم ، فأراهم اللّه ذلك يوم أحد ، وسببه لهم ، فلم يلبثوا أن انهزموا إلا من شاء اللّه منهم ، فأنزل اللّه تعالى : وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 143 ) [ آل عمران ] . ومنها : أن وقعة أحد كانت مقدمة وإرهاصا بين يدي موت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فثبتهم ، ووبخهم على انقلابهم على أعقابهم إن مات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أو قتل ، بل الواجب له عليهم أن يثبتوا على دينه وتوحيده ويموتوا عليه ، أو يقتلوا ، فإنهم إنما يعبدون رب محمد ، وهو حي لا يموت ، فلو مات محمد أو قتل ، لا ينبغي لهم أن يصرفهم ذلك عن دينه ، وما جاء به ، فكل نفس ذائقة الموت ، وما بعث محمد صلى اللّه عليه وسلم ليخلد لا هو ولا هم ، بل ليموتوا على الإسلام والتوحيد ، فإن الموت لا بد منه ، سواء مات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أو بقي ، ولهذا وبخهم على رجوع من رجع منهم من دينه لما صرخ الشيطان : إن محمدا قد قتل ، فقال : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ